سومر

لقد ظهرت تلك الحضارة الأولى في القسم الجنوبي من بلاد الرافدين، أي في أرض العراق الحالية، فعلى هذه الأرض التي يبلغ طولها 700 ميل، والتي يشكلها واديا نهري دجلة والفرات، كان الناس يعيشون منذ زمن طويل. وقد صارت في الأزمنة النيوليتية مكتظة بالقرى الزراعية، ويبدو أن أقدم المستوطنات كانت في أقصى الجنوب. كان الساحل الجنوبي لبلاد الرافدين أعلى بنحو 100 ميل إلى الشمال مما هو عليه اليوم، وبفضل قرون طويلة من تصريف مياه النهرين الكبيرين من الداخل وفيضاناتهما السنوية تراكمت تربة على درجة عظيمة من الخصب في المناطق المحيطة بالدلتا. وكانت المحاصيل تنمو بيسر إذا ما توفر الماء بشكل مستمر وآمن، وكان هذا الأمر ممكناً في العادة لأن قاع النهر كان أحياناً أعلى من مستوى الأرض المجاورة، أما المطر فقد كان شحيحاً وغير منتظم. وقد ظهرت هنا في زمان باكر إمكانية زراعة كمية تزيد من حاجة الاستهلاك اليومي، وهذا الفائض هو الذي سمح بظهور حياة المدن، كما كان صيد السمك من البحر المجاور ممكناً أيضاً. كانت هذه البيئة تحدياً وفرصة في الوقت نفسه، لأن دجلة والفرات قد يغيران أحياناً مجراهما بشكل مفاجئ وعنيف، لذلك كان من الضروري تدبير أرض الدلتا المستنقعية الواطئة عن طريق تكويم السدود وحفر الأقنية من أجل تصريف المياه. كانت تصنع منصات من القصب والطين لتبنى عليها أول المساكن في بلاد الرافدين، وقد بقيت تلك التقنيات مستخدمة حتى هذا القرن. وكانت الرقع الصغيرة المزروعة من الأرض تتجمع حيث تكون التربة في أخصب حالاتها، ولم يكن بالإمكان تدبير أمور تصريف المياه والري اللازمة إلا بشكل جماعي. لقد اضطرهم هذا بلا ريب إلى التنظيم الاجتماعي من أجل استصلاح الأراضي، ومعه ظهر نوع من السلطة المشروعة. وكيفما حدث ذلك فإن استصلاح الأراضي من المستنقعات المائية في سومر كان أول إنجاز من نوعه على ما يبدو، ولابد أن يكون قد دفع إلى درجة جديدة من التعقيد في طريقة عيش أهل بلاد الرافدين معاً.

الدولة السومرية والدولة الأكادية

ومع زيادة أعدادهم صاروا يأخذون مساحات أكبر من الأرض من أجل الزراعة، وعاجلاً أو آجلاً سوف يتواجه سكان القرى المختلفة بسبب الحاجة لاستصلاح المستنقعات التي تفصل بينهم، بل وربما كانوا على اتصال مع بعضهم البعض قبل ذلك بسبب حاجات الري المختلفة، وقد كان أمامهم أحد خيارين: إما الاقتتال أو التعاون؛ وفي مرحلة ما من هذا التطور بات من المنطقي أن ينضم الناس بعضهم إلى بعض في مجموعات أكبر من أجل حماية أنفسهم فضلاً عن تدبير بيئتهم. من النتائج المادية لهذا التطور ظهور المدن، كان مقام الإله المحلي محاطاً بسور من الطين في البداية لصد الفيضانات والأعداء، ثم صار يرفع على منصة فوق مستوى المياه، وكان من الطبيعي أن يختار هذا المقام موقعاً لمستوطنة أكبر: فقد كان الإله يقف وراء سلطة الجماعة، التي يمارسها كاهنه الأكبر، والذي أضحى رئيس حكومة دينية صغيرة تتنافس مع غيرها.

يفسر مثل هذا الأمر الفرق بين جنوب بلاد الرافدين في الألفين الثالثة والرابعة ق.م من جهة، والمناطق الأخرى ذوات الثقافة النيوليتية التي كانت على اتصال بها عندئذٍ من جهة أخرى. صحيح أنه كانت هناك أشياء كثيرة مشتركة تجمع بلاد الرافدين والأناضول وآشور وإيران في العصر النيوليتي، ولكن في هذه المنطقة الصغيرة وحدها بدأ ينمو ويتبلور بصورة أسرع نمط من قرى الشرق الأدنى ليصبح شيئاً جديداً، هو أول مدينة حقيقية. كان لتلك المدنية مراكز كثيرة، وكانت فيها أول حضارة يمكن تمييزها، أي حضارة سومر، وهو الاسم القديم لأقصى أجزاء بلاد الرافدين جنوباً، يطلق اسم السومريين على الذين كانوا يتحدثون لغة سميت فيما بعد باللغة السومرية، وهو على الأرجح ذوو جذور قوقازية. ومازال العلماء منقسمين حول زمن وصولهم إلى المنطقة، ولكنهم كانوا في عام 4000 ق.م قد رسخوا أقدامهم فيها، والحقيقة أن سكان سومر المتحضرة صاروا مزيجاً من الأعراق، ربما كان بينهم سكان أبكر من هذه المنطقة، وكانت في ثقافتهم عناصر أجنبية ومحلية. كان السومريون الأوائل يعيشون في قرى مثل جيرانهم وكانت لديهم بعض مراكز العبادة الهامة والمسكونة بصورة مستمرة منذ زمن طويل. منها مركز في مكان يدعى أريدو، نشأ على الأرجح في حوالي عام 5000 ق.م ، ثم راح ينمو بشكل مستمر حتى وقت متقدم من الأزمنة التاريخية، وفي منتصف الألف الرابعة كان فيه معبد يعتقد بعضهم أنه كان النموذج الأصلي لعمارة النُصُب في بلاد الرافدين، ولكن لم يبق منه اليوم إلا المنصة التي كان يقوم عليها. لقد بدأت أماكن العبادة هذه كأماكن للتعبد والحج، ولم يكن فيها عدد هام من السكان المقيمين، إلا أن المدن تبلورت من حولها فيما بعد، ويساعد هذا الأمر في تفسير العلاقة الوثيقة التي ظلت قائمة دوماً بين الدين والحكم في بلاد الرافدين القديمة.

سومر الباكرة

حوالي عام 5000 ق.م ... اللغة السومرية متداولة

حوالي عام 4000 ق.م... الاستقرار في الموقع الذي سيصبح بابل فيما بعد

حوالي عام 3500 ق.م... اللغة السومرية تظهر مكتوبة

حوالي عام 2800 ق.م... السلالة السومرية الأبكر

حوالي عام 2350-2200 ق.م... حكم سرجون الأول وسلالة أكد

حوالي عام 2150 ق.م... الغوتيون والأموريون يطيحون بالسلالة الأكدية

حوالي عام 2000 ق.م... عودة الحكم الأكدي باسم سلالة أور الثالثة

حوالي عام 1800-1600 ق.م... تفوق بابل على سومر

الكتابة

استمرت الحضارة السومرية من عام 3300 إلى عام 2000 ق.م تقريباً. فمنذ زمن باكر جداً كان الناس فيها يصنعون أختاماً أسطوانية الشكل، محفور عليها صور صغيرة يدورونها بالصلصال. ومن هذه الصور طور السومريون صوراً مبسطة كانوا ينقشونها على ألوح الصلصال بواسطة ساق القصب، كانت هذه خطوة كبيرة نحو الكتابة الحقيقية. ثم تطورت هذه إلى أسلوب يسمى الكتابة المسمارية، تستخدم أدوات وإشارات ومجموعات من الإشارات للدلالة على الأصوات والمقاطع الصوتية. وقد أدى استخدام الكتابة المسمارية إلى تحسن في تبادل المعلومات لا سابق له، وسهل كثيراً العمليات المعقدة من ري الأراضي والحصاد وتخزين المحاصيل، فمكن بالتالي من استغلال الموارد بفعالية أكبر، كما أنه متن الحكم بصورة كبيرة وارتباطاته بطبقات الكهنة الذين كانوا يحتكرون معرفة الكتابة في البداية.

الكتابة المسمارية

لقد حفظت لنا الكتابة منذ ذلك الحين أعداداً كبيرة من السجلات، وأتاحت لنا معرفة أشياء كثيرة عن ذلك الزمان لأنها حفظت الأدب، فصار بإمكاننا أخيراً أن نتعامل بالعملة الصعبة عند الحديث عن الأفكار. إن أقدم قصة في التاريخ هي ملحمة جلجامش، وهي رواية ظهرت في الأزمنة السومرية، ودونت بعد عام 2000 ق.م بقليل، كان جلجامش رجلاً حقيقياً يحكم مدينة (أوروك)، وقد صار كذلك أول فرد وأول بطل في الأدب العالمي، وإن اسمه هو أول اسم شخص يجب ذكره في هذا الكتاب. إن أكثر ما يلفت نظر القارئ الحديث في تلك الملحمة هو قدوم طوفان عظيم يقضي على البشرية جمعاء، ما خلا عائلة نجت بفضل بنائها فلكاً، ومنها ينشأ عرق جديد ليعمر الأرض من بعد همود الطوفان. ولا نجد هذه القصة في أقدم نسخ الرواية، بل في قصيدة منفصلة تظهر بأشكال كثيرة في الشرق الأدنى، وبعد ذلك في العهد القديم لليهود، وسبب دمجها في الملحمة السومرية واضح، لأن الفيضانات كانت كوارث مميزة لجنوب بلاد الرافدين، وقد حاول علماء الآثار تحديد فيضان كارثي مفرد كان وراء أسطورة الفلك، ولكنهم لم يتوصلواً إلى نتائج مقنعة، ولو أن هناك أدلة وافرة على حدوث الفيضانات المتكررة. من الصعب أن ننفذ إلى التاريخ من خلال هذه الملحمة، فما بالك أن تعرف عن علاقتها بشخصية جلجامش التاريخية، تقول الملحمة إن الأرض تبزغ في النهاية من الماء، فربما كانت هذه رواية السومريين عن خلق العالم، عن تكوينه. وفي الكتاب المقدس المسيحي أيضاً تبزغ الأرض من المياه بإرادة الله، وقد ظلت هذه الرواية مقنعة لأكثر الناس المثقفين في أوروبا طوال ألف سنة، فنحن إذ ندين بشيء من تراثنا الفكري لأسطورة بناها السومريون بعناصر مما قبل تاريخهم، عندما كانت الأراضي الزراعية تستصلح من مستنقعات دلتا مابين النهرين.

جلجامش

إحدى أحداث أسطورة جلجامش . لقد ظلت الأفكار السومرية واسعة الانتشار في الشرق الأدنى بعد أن انتقلت بؤرة التاريخ بعيداً عن بلاد الرافدين بزمن طويل، وظهرت نسخ وأجزاء مختلفة من تلك الملحمة في أرشيف وبقايا شعوب كثيرة في أنحاء مختلفة في هذه المنطقة في الألف الثانية ق.م. ورغم أن جلجامش قد توارى عن الأنظار إلى أن أعيد اكتشافه في الأزمنة الحديثة، فقد بقي طوال ألفي سنة تقريباً اسمه معروفاً يذكره الأدب في لغات كثيرة، وقد عاشت اللغة السومرية أيضاً قروناً في المعابد ومدارس الكتبة، مثلما استمرت اللاتينية بين المتعلمين في أوروبا من بعد انهيار العالم الكلاسيكي الغربي لروما.

الديانة السومرية

تجسد تقاليد الكتابة واللغة أفكاراً وصوراً تجعل الناس يرون العالم بأساليب معينة، فتفتح لهم طرقاً وتحد طرقاً أخرى، أي أن لها وزنها التاريخي. تعطينا ملحمة جلجامش بعض المعلومات عن آلهة بلاد الرافدين في زمن باكر، وكانت أهم الأفكار التي بقيت حية بفضل اللغة السومرية أفكاراً دينية على الأرجح في حوالي عام 2250 ق.م كان قد ظهر مجمع من الآلهة الفردية تجسد إلى حد ما عناصر الطبيعة وقواها، وسوف تبقى هذه الآلهة هي العمود الفقري لديانة بلاد الرافدين طوال آلاف السنين، وبداية اللاهوت. كان للمدن في الأصل آلهتها الخاصة بها، التي كانت تشكل تسلسلاً هرمياً فضفاضاً يعكس النظرة إلى المجتمع البشري ويساهم في صياغتها أيضاً، وقد أُعطي لكل منها نشاط أو دور خاص، فكان هناك إله للهواء، وإله للماء، وإله للمحراث، وآلهة للحب والتكاثر، ولكن للحرب أيضاً وعلى قمة هذا الهرم كان يتربع ثالوث مؤلف من ثلاثة آلهة مذكرة كبرى هي: أب الآلهة، و”السيد الريح” الذي لا يمكن فعل شيء من دونه، وإله للحكمة والمياه العذبة التي تعني الحياة نفسها بالنسبة إلى سومر. وإن هذه الصورة لدليل على نظرة ما إلى عالم ما فوق الطبيعة لا مثيل لها في تعقيدها وغناها في ذلك الزمان الباكر. ثم أن هناك ملاحظة هامة أخرى هي أن المعابد كانت تزداد حجماً وفخامة بمرور القرون ومن أسباب ذلك أنهم كانوا يبنون المعابد الجديدة على بقايا القديمة منها، وكانوا يقدمون الذبائح لضمان جودة المحاصيل، وبلغنا أن أحدهم قد بني بأرز مجلوب من لبنان ونحاس من الأناضول. لن تجد في ذلك الزمان مجتمعاً أعطى الدين مثل هذه المكانة البارزة، أو كرس مثل هذا القدر من موارده الجماعية لدعمه، وربما كان السبب أنه لا يوجد مجتمع قديم أعطى الناس الشعور بمثل هذا الاعتماد المطلق على مشيئة الآلهة. إذ يبدو أن بلاد الرافدين السفلى كانت في الأزمنة القديمة أرضاً مسطحة رتيبة مكونة من سهول الطين والمستنقعات والماء، فلم تكن ثمة جبال تسكن فيها الآلهة على الأرض مع البشر، بل السماء الخاوية في الأعلى، وشمس الصيف التي لا ترحم، والرياح العاتية، والفيضانات التي لا تقاوم، وهجمات القحط المدمرة التي لا يملكون ردها إلا بأوهى الأسباب. وكانت الآلهة تعيش في قوى الطبيعة هذه، ويمكن التقرب إليها في الأماكن العالية الوحيدة المشرفة على السهول، أي في الأبراج والزِّقُّرات المبنية بالقرميد، والتي تجد انعكاساً ضعيفاً لها في برج بابل في الكتاب المقدس، فليس من الغريب إذاً أن يكون السومريون قد اعتبروا أنفسهم شعباً خلق ليكدح من أجل الآلهة.

آلهة من آلهات سومر

كانت الآلهة تصويراً فكرياً لمحاولات السيطرة على الطبيعة، ولو كان من المستحيل على أهل بلاد الرافدين أن يعبروا عن ذلك بهذه العبارة، أي أنها كانت محاولات لمقاومة كوارث الفيضانات والعواصف الرملية المفاجئة، وضمان استمرار دورة الفصول عن طريق تكرار احتفال الربيع الكبير، حينما تزوج الآلهة من جديد ويعاد تمثيل دراما الخلق، فيضمنون عندئذٍ استمرار العالم لسنة أخرى؛ وما كان لديهم من خيار آخر. في زمن لاحق صار الناس يبغون من الدين أن يساعدهم على مواجهة رعب الموت الذي لامفر منه، ويبدو أن السومريين والذين ورثوا عنهم أفكارهم الدينية كانوا يرون العالم الآخر مكاناً حزيناً كئيباً، وهنا تكمن جذور فكرة جهنم التي ستظهر في زمن لاحق. ولكننا نعلم أيضاً أن ملكاً وملكة سومريين من منتصف الألف الثالثة قبل الميلاد قد لحقت بهما حاشيتهما إلى القبر حيث دفنوا معهما، ربما بعد تناول دواء ما، فلعلهم كانوا يؤمنون بأن الموتى يذهبون إلى مكان تفيدهم فيه الحاشية العظيمة والمجوهرات البديعة. أما من الناحية السياسية للديانة السومرية، فقد كانت الأرض كلها جوهرياً ملكاً للآلهة التي كان الملك وكيلاً عنها، والأرجح أنه كان ملكاً كاهناً مثلما كان قائداً محارباً، ومن حوله كانت طبقة الكهنة التي تقوم برعاية مهارات ومعارف خاصة، ومن هذه الناحية أيضاً كانت سومر منشأ تقليد آخر، هو تقليد عرّافي الشرق ومتنبئيه وحكمائه، وكان هؤلاء مسؤولين عن أول جهاز تعليم منظم ومبني على الاستذكار والنسخ.

الحياة في سومر

من الأشياء الأخرى التي نتجت عن الديانة السومرية أول تصوير للبشر يشبههم شبهاً حقيقياً، وتراهم أحياناً مجمعين في مواكب، وبذلك تأسس واحد من المواضيع الكبرى في فن التصوير، فضلاً عن موضوعين آخرين بارزين، هما الحرب وعالم الحيوان. لقد رأى البعض أيضاً في صور الناس في سومر الصفات النفسية التي مكنتهم من تحقيق الإنجازات المدهشة لحضارتهم، أي اندفاعهم نحو التفوق والنجاح، ولكن الشيء الذي تراه بشكل أكيد في الفن السومري هو الحياة اليومية التي كانت خافية عنك في الأزمنة الأبكر، فإذا أخذت بعين الاعتبار اتصالات سومر الواسعة وتشابه الحياة الزراعية بينها وبين الشعوب المجاورة لها، فقد تنبئك تلك الرسوم عن صور الحياة كما كانت تعاش في جزء كبير من الشرق الأدنى القديم. تظهر الأختام والتماثيل والرسوم شعباً يرتدي في العادة تنورة من الفرو، لعله فرو الماعز أو الغنم؟ وتضع النساء أحياناً ثنية منها فوق أحد الكتفين، أما الرجال فهم حليقون عادة ولكن ليس دائماً، ويرتدي الجنود الزي نفسه، ولكنهم يحملون أسلحة ويعتمرون أحياناً قبعة جلدية مستدقة الطرف. وأما الرفاهية فيبدو أنها كانت تتمثل بوقت الفراغ والممتلكات، خصوصاً المجوهرات، التي يبدو أن الغرض منها كان الإشارة إلى المرتبة، فإذا كان الأمر كذلك فإنما هو علامة أخرى على تزايد تعقيد المجتمع. كان رأس العائلة هو الزوج، الذي يتخذ امرأته بعقد يبرمه مع أهلها، ويرأس أهل بيته من أقارب وعبيد، وهذا هو النمط الأبوي الذي بقي شائعاً حتى وقت قريب جداً في أنحاء كثيرة من العالم. إلا أن تغيرات لافتة قد طرأت عليه، فيما بعد، إذ يبدو أن النساء السومريات كن أقل انسحاقاً من أخواتهن في كثير من مجتمعات الشرق الأدنى حتى في أزمان لاحقة، ربما هناك اختلاف بين التقاليد السامية وغير السامية في هذا المجال. توحي قصص السومريين عن آلتهم بمجتمع شديد الوعي لجاذبية المرأة الجنسية، والحقيقة أن السومريين كانوا أول شعب كتب عن عاطفة الحب الجنسي، وقد منح قانونهم الذي يمكن تتبع أثره بعد عام 2000 ق.م بزمن طويل النساء حقوقاً هامة استمرت حتى الأزمنة بعد السومرية، فلم تكن المرأة مجرد متاع، بل حتى العبدة لها حقوق إذا كانت أماً لأولاد رجل حر. وكان يحق للمرأة مثل الرجل أن تطلب الانفصال، وأن تتوقع معاملة عادلة بعد الطلاق. صحيح أن زنى الزوجة يعاقب بالموت ولا يعاقب به زنى الزوج، إلا أن هذا الفرق يمكن فهمه في ضوء الحرص على الميراث والأملاك. ولم يبدأ قانون بلاد الرافدين بالتشديد على أهمية العذرية وفرض الحجاب على النساء المحترمات إلا بعد ذلك بزمن طويل، وكان هذان الأمران علامة على أن دور المرأة في الحياة يزداد قسوة وتقييداً لها.

عند نهاية تاريخهم كحضارة مستقلة كان السومريون قد تعلموا العيش في جماعات كبيرة، ويقال إن إحدى المدن كانت تحوي ستة وثلاثين ألف ذكر، وقد تطلب هذا الأمر مهارات كبيرة في البناء، وخاصة في تشييد الصروح الضخمة. ولم يكن في جنوب بلاد الرافدين حجارة، لذلك كان أهلها في البداية يبنون بالقصب الذي كانوا يلصقون بعضه ببعض بواسطة الطين، ثم انتقلوا إلى استخدام لبن الصلصال المجفف بأشعة الشمس. وعند نهاية الحقبة السومرية كانت تقنية البناء بالصلصال قد بلغت درجة من التطور سمحت بتشييد أبنية كبيرة جداً لها أعمدة وسطوح، وأعظمها زقّرة أور، التي كان لها طابق علوي يبلغ ارتفاعه أكثر من مئة قدم، وقاعدة طولها مئتا قدم وعرضها مئة وخمسون . وقد اكتشفت أول عجلة معروفة لصنع الفخار في أور، فكانت تلك خطوة تقنية أخرى، وكان هذا أول استغلال نعرفه للحركة الدائرية، وعليه ارتكزت صناعة الفخار بالجملة، فأصبحت مهنة رجال من بعد أن كانت مهنة نساء فيما مضى، وسرعات ما استخدمت العجلة في النقل بحلول عام 3000 ق.م. ومن اختراعات السومريين الأخرى، اختراع الزجاج، كما كان حرفيوهم المختصون يسبكون البرونز في بداية الألف الثالثة ق.م.

وتثير هذه الحقيقة أسئلة أخرى: فمن أين أتت المواد الأولية؟ إذ ليست هناك أية معادن في جنوب بلاد الرافدين، وحتى في الأزمنة النيوليتية لابد أن تكون المنطقة قد استوردت الصوان والسبج لصنع الأدوات الزراعية. من الواضح إذاً وجود شبكة واسعة من الاتصالات الخارجية، مع شعوب الخليج الفارسي من جهة، ومع شرق المتوسط وسورية البعيدين من جهة أخرى. ومن المؤكد أن بلاد الرافدين كانت في عام 2000 ق.م تحصل على البضائع من وادي الهندوس أيضاً ولكن ربما بصورة غير مباشرة، وتدل هذه الأمور بالإضافة إلى بقايا بعض الوثائق المتفرقة على بدايات نشوء نظام تجاري بين المناطق مابرح ينسج أنماطاً من الاعتماد الاقتصادي المتبادل.

إلا أن أساس المجتمع قد ظل الزراعة من أجل الاستهلاك المحلي، فكان الشعير والقمح والدخن والسمسم تزرع بكميات كبيرة، وربما كان الشعير هو المحصول الأساسي، وهذا يفسر كثرة الأدلة على وجود الكحول في بلاد الرافدين القديمة. كانت التربة التي يخلفها الفيضان سهلة يمكن زراعتها زراعة مكثفة من دون الحاجة لأدوات حديدية، إلا أن المساهمة الكبرى للتقنية هنا كانت في مجالات الري والبناء ونمو نظام الحكم. وقد تراكمت هذه المهارات رويداً رويداً، ولا ننس أن الأدلة على الحضارة السومرية تمتد على مدى أكثر من ألف وخمسمائة عام من التاريخ، وإذا كنا تحدثنا عنها حتى الآن كأن شيئاً لم يحدث خلالها، أو كأنها كانت وحدة ثابتة لم تتغير، فإنها بالطبع لم تكن كذلك. فمهما كنا متحفظين حول بطء التغير في العالم القديم، والذي قد يبدو لنا جامداً اليوم، فإننا نعلم أن تلك كانت خمسة عشر قرناً من التغير الكبير في بلاد الرافدين، ولو بقي جزء كبير منها غامضاً وتواريخه تقريبية.

التغير السياسي

يمكنك هنا تمييز ثلاث مراحل عريضة، فالمرحلة القديمة لسومر قد استمرت بالتقريب من عام 3360ق.م إلى عام 3400ق.م، وهي قصة من الحروب بين دول المدن وما يعتريها من بزوغ وأفول. ومن الأدلة على ذلك المدن المحصنة واستخدام العجلة في التقنية الحربية في عربات فظة ذوات عجلات أربع. نحو منتصف هذه المرحلة بدأت السلالات المحلية تثبت أقدامها بقدر من النجاح، ويبدو أن المجتمع السومري كان فيه بالأصل نوع من القاعدة التمثيلية أو حتى الديمقراطية، إلا أن النمو المتزايد قد أدى إلى تميز الملوك عن الحكام الكهنة الأسبق، وربما بزغ هؤلاء الملوك كأمراء حرب عينتهم المدن لقيادة قواتها، ثم بقوا متشبثين بالسلطة بعدما زالت حالة الطوارئ التي استدعتهم، ومنهم انبثقت السلالات التي راحت تتقاتل فيما بينها. ثم يظهر فجأة رجل عظيم يفتتح مرحلة جديدة هو سرجون الأول، الذي كان ملكاً على مدينة تقع على قسم أعلى من الفرات اسمها أكد، لم يكتشف موقعها بعد. لقد فتح سرجون المدن السومرية بين عامي 2400 و 2350 ق.م واستهل مرحلة السيادة الأكدية عليها. وكان شعبه من القبائل السامية التي طالما ضغطت على حضارات وديان الأنهار من الخارج في الماضي. ثمة رأس محفور يعتقد أنه يمثله، فإذا كان صحيحاً فهي من أولى صور الملوك، كان سرجون الرجل الأول في سلسلة طويلة من بناة الإمبراطوريات، وقد زعموا أنه أرسل قواته حتى مصر وإثيوبيا. لم يكن حكمه مبنياً على السيادة النسبية لإحدى دول المدن على غيرها، بل إنه قد أسس إمبراطورية موحدة دمجت المدن كلها في كيان واحد، وخلفت أسلوباً جديداً في الفن السومري يتميز بموضوع انتصارات الملوك. إلا أن هذه الإمبراطورية الأكدية لم تكن نهاية سومر، بل فترة فاصلة وثاني مراحلها الأساسية، وهي تعبر عن إنجاز جديد في التنظيم، ففي عهد سرجون كانت قد ظهرت دولة حقيقية، وكانت السلطات الدنيوية والدينية قد افترقتا افتراقاً كاملاً، فظهرت القصور إلى جانب المعابد في المدن السومرية، وكان الملوك يستمدون سلطتهم من الآلهة.

الملك سرجون

إن اختراع الجندية كمهنة تحترف قد لعب على الأرجح دوراً في التطور السابق، فإنك ترى على صروح أور فرق المشاة المنضبطة تسير ضمن تشكيلات عسكرية، يغطي كل ترس فيها طرف الترس المجاور له، والرماح كلها مسددة إلى الأمام. كانوا يتباهون بأن لدى سرجون 5400 جندي يأكلون بحضرته في قصره، وكان هذا الأمر بلا ريب نتيجة للغزوات التي أمنت الموارد اللازمة للإنفاق على قوة كهذه. كانت سلطة الدولة قد نشأت بالأصل من التحديات والحاجات الخاصة ببلاد الرافدين، ومن الواجب الأول للحاكم في تنظيم الأشغال الكبرى من أجل الري والسيطرة على الفيضانات، وإن هذه السلطة القادرة على تعبئة المجهود البشري اللازم أمكنها أن تعبئ الجنود أيضاً. وقد ازداد الميل للاحتراف مع زيادة الأسلحة تعقيداً وكلفة، ومن أسباب نجاح الأكديين استعمالهم سلاحاً جديداً هو القوس المركبة المصنوعة من شرائح الخشب وقرن الحيوان. يوم في أكاد لقد أطيح بالهيمنة الأكدية بعد سرجون بقرون ونصف القرن، أي على عهد ابن حفيده، ويبدو أن ذلك الأمر قد تم على أيدي شعوب جبلية تسمى الشعوب الغوتية. فبدأت عندئذٍ ثالث مراحل سومر وآخرها، وهي التي يسميها العلماء ”المرحلة السومرية الجديدة” فعادت الهيمنة من جديد إلى السومريين الأصليين الذين كان مركزهم في أور، وقد استمرت هذه الهيمنة حوالي مئتي سنة أخرى، أي حتى عام 2000 ق.م. إن أول ملك من سلالة أور الثالثة مارس هذه السيادة قد سمى نفسه ملك سومر وأكد، ولا نعلم تماماً ماذا كان هذا اللقب يعني من الناحية العملية. يبدي الفن السومري في هذه المرحلة ميلاً جديداً لتمجيد سلطة الأمير، كما صار الحكام يسعون لتجسيد عظمتهم في زقّرات أكبر وأفضل. وتظهر الوثائق الإدارية الميراث الأكدي أيضاً، وربما كان الطموح إلى ملكية أوسع انعكاساً لهذا الميراث، فقد كانت البلاد الخاضعة لآخر ملوك أور الناجحين تمتد من شوش، سوس، على حدود أرض عيلام على القسم السفلي من دجلة، حتى بيبلوس على ساحل لبنان.

الأمبراطورية الأكادية في عهد سيرغون

كانت هذه حقبة أفول الحضارة الأولى، وهي لم تختف بل سوف تضيع فرديتها في التاريخ العام لبلاد الرافدين والشرق الأدنى، وقد انتهت بذلك حقبة كبرى من الإبداع. ومن بعد هذه المنطقة الصغيرة نسبياً سوف يتسع أفق تاريخنا. كان الأعداء يعجون على حدود سومر، وفي نحو عام 2000 ق.م جاء العيلاميون وسقطت أور بأيديهم. ونحن لا نعلم السبب، ولكننا نعلم أن سقوطها قد تم من بعد عداوة متقطعة استمرت 1000 عام، وقد اعتبر سقوط أور هذا نتيجة صراع للسيطرة على الطرق المؤدية إلى مرتفعات إيران والمعادن التي يحتاجها أهل بلاد الرافدين.وكانت هذه على كل حال نهاية أور ونهاية التقاليد السومرية المتميزة، التي اندمجت الآن، في دوامات عالم مكون من حضارات عديدة. إلا أن سومر كانت طوال خمسة عشر قرناً تقريباً قد وضعت أول تربة للحضارة في بلاد الرافدين، مثلما استصلح أسلافها الأرض نفسها في عصر ما قبل الحضارة. لقد خلف السومريون كتابة، وأدباً ، وميثولوجيا، وصروحاً ضخمة ، وفكرة عن العدالة والشرعية، وجذور تقليد ديني عظيم.و إن هذه الأشياء كلها لتشكل سجلاً رائعاً، وسوف تكون بذرة لأشياء كثيرة غيرها، لأن انتشار الحضارة كان قد بلغ شوطاً بعيداً عندما ماتت سومر.

بلاد الرافدين بعد سومر

كان الشرق الأدنى عندئذٍ خليطاً من الشعوب مابرح يزداد تعقيداً، كان الأكديون قد اندفعوا بالأصل من منبع الشعوب السامية الكبير في شبه الجزيرة العربية لينتهوا في بلاد الرافدين، أما الغوتيون الذين شاركوا في الإطاحة بالأكديين فكانوا قوقازيين من الشعوب الأصلية في المنطقة. وأما الأموريون (العموريون) فكانوا شعباً سامياً انتشر في طول المنطقة وعرضها، وانضم إلى العيلاميين للإطاحة بجيوش أور وتحطيم سطوتها، وقد ثبتوا أقدامهم في دمشق وآشور، أي القسم العلوي من بلاد الرافدين، وفي بابل أيضاً، سلسلة من الممالك الممتدة حتى ساحل فلسطين، بينما بقوا يتنازعون على جنوب بلاد الرافدين مع العيلاميين. أما في الأناضول فكان جيرانهم الحثيون وهم شعب هندي أوروبي عبر من البلقان في الألف الثالثة. وعلى حواف هذه الصورة المتداخلة كانت توجد شعوب أخرى قوية.

المصدر

وصلات